الحلقة الثالثة من .. ألدار كوسى (كيف خدع ألدار كوسى الشيطان)

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحلقة الثالثة من .. ألدار كوسى (كيف خدع ألدار كوسى الشيطان)

مُساهمة من طرف Divine Devil في الأحد أبريل 27, 2008 1:51 pm

كيف خدع ألدار كوسى الشيطان

زعموا فيما زعموا انّ الشيطان كان يتجوّل في أنحاء السهوب ، وقد أنزل الكثير من الأذى بالناس . كان يحمل لهم مع كلّ خطوةٍ بلوى . وكان الناس يقولون : ليس هناك من هو أقوى من الشيطان ، إذا كان قد عصى الله ، فكيف نقدر نحن عليه ؟
وكان ذلك لمصلحة الشيطان ، فالمثل يقول : (الحمل الوديع يسهل قصّ وبره) . وراح الشيطان يسخر بكلّ من يريد أن يسخر منه ، راكباً كان أم راجلاً ، حتى جاءه اليوم الأسود الموعود .
فمن ذا الذي غلب الشيطان ؟
اسمع وستعرف ..
كان الشيطان يتجوّل في السهوب ، وإذ به يرى رجلاً أجرد راقداً على شاطئ نهرٍ صغير ، على حافة الشاطئ العالية تماماً ، ولم يكن يستر جسده سوى قميصٌ وسروال ، بينما قدماه حافيتان . وكان يتوسّد قضبته . ولولا شخيره الذي كانت تهتزّ بسببه أغصان الخمائل على شاطئ النهر لخيّل للناظر أنه ميّت .
وفرك الشيطان راحتيه وقال ساخراً : حسناً ، إذا كنت حياً فستصبح الآن ميتاً .
وتسلّل على أطراف أصابعه إلى النائم ، ودفعه من حافة الشاطئ المرتفع ، وفي نفس اللحظة طوقت يدا الرجل الماهرتان رقبة الشيطان كانشوطة خانقة ، فهوى الشيطان مع الرجل في ماء النهر .
وصاح الشيطان ضارعاً :
- دعني وإلا هلكنا معاً .
فقال الرجل :
- سأدعك إذا أخرجتني من الماء .
وتصارعا في الماء طويلاً ، وأدرك الشيطان أنه لن يستطيع الإفلات من يدي ألدار القويتين . فاضطر للخضوع للإنسان ، وحمله إلى الشاطئ .
وجلسا على الشاطئ ، واستردّا أنفاسهما ، وجفّت ملابسهما قليلاً ، فقال الشيطان :
- في هذه المرة أنت غلبتني ، ولكن لن تغلبني بعدها . هل تريد أن نتجوّل معاً في هذه الدنيا ، ونتبارى في المكر والحيلة ؟
فقال الأجرد :
- لا مانع .
ولم يكن الشيطان يتوقّع هذه الإجابة فقال :
- أحقّاً تأمل في التفوّق عليّ في الدهاء ؟ ألم تعرف من أنا ؟ أنا الشيطان . فمن أنت ؟
فنظر الأجرد إلى الشيطان وضحك ساخراً ثم غنى :
أنت الشيطان .. وأمكر من نسناس
وأنا رجل .. إنسان .. مثل جميع الناس
لا بيك .. لا ملك .. لا سلطان .. ولا شيطان
ألدار كوسى أدعى في كلّ مكان
وسار ألدار كوسى والشيطان في السهوب ، وعبرا ستة وديان وستة ممرات ، وشربا من ست آبار . وعند البئر السابعة على طريق القوافل وجدا كيساً .
فقال الشيطان :
- هذا لقيتي .
فقال ألدار :
- بل لقيتي .
وتجادلا ، فقال الشيطان :
- فليكن الكيس لمن هو أكبر سنّاً فينا .
فوافق ألدار كوسى . ففرح الشيطان في سرّه (قلْ للنقود وداعاً يا ألدار) وقال :
- عندما ولدت كان عمر الدنيا سبعة أعوام .
فهتف ألدار كوسى وهو يذرف الدموع :
- أوه ، يا للمصيبة !
- أية مصيبة ؟ لماذا تبكي ؟
- آه يا شيطان ، لقد أثرت أشجاني بكلامك ، فقد تذكرت ابني الأكبر الذي مات ، وكان في مثل سنك . إذن فقد ولدتما في عام واحد .
ودون أن يكفّ عن البكاء دسّ ألدار كوسى الكيس في صدره .
أمّا الشيطان فراح يطرف بعينيه . وبالفعل ، فألدار على حق ، إذ لم يحدث أبداً أن كان الابن الأكبر من أبيه .
ومضى ألدار كوسى والشيطان ، وكان النهار حاراً والطريق طويلاً وملّ ألدار من السير ، فقال في نفسه (كيف أستطيع أن أركب الشيطان ؟ فلأحاول أن أخدعه) ، وقال :
- اسمع يا شيطان ، هلا اختصرنا طريقنا المملّ ؟
فلم يفهم الشيطان مقصده وقال :
- لا تَقُلْ حماقات ، كيف نختصره ؟
- بسيطة ، هل تعرف أغاني ؟
- أعرف .
- فلنتبارَ ، أنا أغني أولاً ، ثم تغني أنت . ومن كانت أغنيته أطول فهو الفائز .
فبرقت عينا الشيطان وقال :
- مضبوط يا ألدار ، مع الغناء يصبح الطريق أقصر . إبدأ أنت ، ولكن استعد للخسارة . فلن يتغلّب الإنسان على الشيطان في الغناء .
فقال ألدار :
- أنا لا أخاف الخسارة . لكن السيّء في الأمر أنني لم أتعوّد على الغناء ماشياً . هيّا نتّفق على التالي : أثناء غنائي تحملني أنت ، وعندما أنتهي من الغناء أحملك . اتّفقنا ؟
- اتّفقنا .
قفز ألدار كوسى على كتفيّ الشيطان ، واتّخذ مجلساً مريحاً ، ثم صاح بأعلى صوته :
- حا ـ حا ـ حا ـ حا !
ومضى الزمن ، ومالت الشمس إلى الأصيل ، بينما راح الشيطان يجري حاملاً ألدار الذي لم يكفّ عن الغناء :
- حا ـ حا ـ حا ..
ولم يحتمل الشيطان فقال بصوتٍ مختنق :
- متى ستنتهي (حا ـ حا ـ حا) هذه يا ألدار كوسى ؟
فأجابه ألدار :
- هيا ، هيا يا شيطان ، لا تتكاسل . فأغنيتي طويلة ، وليست (حا ـ حا ـ حا) إلا البداية وبعدها ستأتي (شي ـ شي ـ شي)
وصاح بصوتٍ أعلى من ذي قبل :
- شي ـ شي ـ شي ...
وهكذا قطع ألدار فوق ظهر الشيطان السهوب كلّها ، من أقصاها إلى أقصاها .
وفي طرف السهوب كان هناك حقل ، وفي منتصفه محراثٌ ملقى ، فقال ألدار كوسى للشيطان :
- تعال نجرب من فينا الأقوى .
- هيا ، ولكن كيف ؟
- أترى المحراث ؟ جرّه أنت إلى الأمام ، وسأشدّه أنا إلى الخلف ، ومن يتعب أولاً فهو المغلوب .
وربط ألدار الشيطان إلى المحراث ، وأخذ الشيطان يجرّ المحراث بكلّ قوة ، حتى تدلّى لسانه ، وراح يمسح عرقه بكفّيه المشعرتين ، أمّا ألدار فسار خلف المحراث مرتكزاً على قبضتيه ليوجّهه . وكيفما كان الأمر ، فقد حرث ألدار الحقل مستخدماً الشيطان .
وأخيراً خارت قوى الشيطان ، وتعالى لهاثه ، وتدلى رأسه حتى كاد يلامس الأرض بأنفه .
ففكّ ألدار كوسى النير عن رقبته وهو يضحك :
- الآن اتّضح أنّك تدّعي القوّة . أمّا أنا فلم أتعب تقريباً ، أستطيع أن أنازل عشرة شياطين آخرين .
وزرعوا قمحاً ، وعندما نضج القمح حصدوه ودرسوه ، وكوّم ألدار القمح كوماً والتبن كوماً ، وقال للشيطان :
- هيا ، لك الخيار : هل تختار الكوم الكبير أم الصغير ؟
فانقضّ الشيطان على التبن قائلاً :
- الكوم الكبير !
- حسناً ، خُذْ الكوم الكبير .
وباع ألدار القمح فاكتسى بثمنه ، أمّا الشيطان فقد بقي مع كوم التبن وباء بالخسران .
وغضب الشيطان من ألدار كوسى فقال له :
- لقد خدعتني ، أريد أن أتعارك معك .
فأجابه ألدار :
- فليكن ، لنتعارك ، لا مانع عندي . ولكن العراك في السهوب المكشوفة لا يجدي ، فقد يرانا أحدٌ فيسرع ليفصل بيننا ويصالحنا ، وبذلك يفسد علينا عراكنا .
وسارا حتى حتى وجدا كوخاً مهجوراً فباتا فيه ليلتهما ، وفي الصباح سأل ألدار كوسى :
- بِمَ سنتعارك ؟ لا يوجد هنا سوى عصى الرعاة* وسوط . فاختر ما تشاء .
فالتقط الشيطان العصى وقال لنفسه (ياله من أحمق ألدار كوسى هذا ! سأحطّم ضلوعه الآن ، أمّا هو فلن يستطيع أن يمّسني وأنا معي هذه العصى الطويلة) .
وبدأ العراك ، وأراد الشيطان أن يرفع العصى عالياً ليهوي على ألدار فانحشرت في الجدار ، ولم يستطع أن يخلّصها ، أمّا ألدار فانقضّ على الشيطان وراح يلهبه بالسوط على ظهره المشعر بكلّ قوّته . فألقى الشيطان بالعصى ودار في الكوخ كالشاة المجنونة وصاح :
- كلا ، أنا لا أوافق . لقد خدعتني مرة أخرى . هيا نتبادل الأسلحة ، ولنتعارك في السهوب .
وخرجا إلى الخلاء ، وكان الشيطان ممسكاً بالسوط ، وألدار ممسكاً بالعصى . وبدأ العراك ، وقبل أن يتمكّن الشيطان من رفع السوط أهوى ألدار بالعصى على ضلوعه حتى كاد الشيطان يسقط على الأرض .
ومنذ ذلك الحين كفّ الشيطان عن الشجار والعراك مع ألدار كوسى ، وأصبح مسالماً ، مطيعاً ، خدوماً ، لا يعارض أبداً . ولكنّه أسرّ في نفسه الحقد على ألدار ، وقرّر أن يقوم بآخر محاولةٍ للقضاء على عدوّه متظاهراً بأنّه صديقه ، فقال :
- اسمع يا ألدار ، لقد قاسيتُ أنا الكثير من ألاعيبك ومزاحك ، ولكنّي لا أحمل لك في قلبي سوءاً . بل إنّني أحبّك يا عزيزي على شجاعتك ومهارتك المرحة ، ومستعدٌّ من أجلك لعمل أيّ شيء ، وثق مما أقول . فلنكن صديقين إلى الأبد . والآن قُلْ لي كصديق ، ألا يوجد شيءٌ في الدنيا يمكن أن يقضي عليك ؟ أم أنّك وُهِبْتَ الخلود ؟
فقال ألدار :
- ليس هناك أحدٌ خالدٌ من بني البشر يا شيطان . أنا أيضاً سأموت ، ورغم أنّني أعرف متى سأموت لكنّي أخشى أن أكاشفك بالسرّ ، فهو سرٌّ كبير يا شيطان .
فأرهف الشيطان أذنيه وقال :
- ألدار يا عزيزي ، كيف لا تثق بي ؟! أنت أعزّ عندي من أخي شقيقي ، وعندما سأعرف الخطر الذي يهددك سوف أحافظ عليك كما يحافظ المرء على أحداقه . لا تُخْفِ عن صديقك المخلص أسرارك .
وفكّر ألدار كوسى طويلاً ، ثمّ أشاح بيده وقال :
- حسناً ، فليكن ما يكون ، سأصارحك كصديقٍ بكلّ شيء . ـ وهمس في أذن الشيطان ـ أنا لا أخاف السهام أو الخناجر ، أو أنياب الذئاب ، أو سمّ الأفاعي ، ولا مكر الشياطين ، ولا غضب السماء . ولكنّي أخاف الباورساك** الطازج . وكلّما كانت دسمة كانت أخطر . إنّها يا شيطان مقتلي .
وعندما عرف الشيطان سرّ ألدار لم يستطع أن يخفي فرحته ، فراح يسير وهو يرقص ، ويقفز وكأنه جديٌ شبعان .. وقال في سرّه فرحاً : (الآن سأتخلّص منك يا ـ صديقي ـ ألدار ، الآن أصبحت حياتك في يدي) .
وعندما أوى ألدار للنوم ، تسلّل الشيطان إلى إحدى القرى ، ثمّ إلى قريةٍ أخرى ، فسرق ملء جوال من الباورساك وعاد قُبيل الفجر ، وكان ألدار كوسى يغطّ في النوم بجوار بقايا نار ، فضربه الشيطان بقدمه وقال بفحيحٍ نافذ :
- ودّع حياتك أيّها الساخر الأجرد ، سوف أنتقم منك الآن على كلّ ما فعلته . هل ترى هذا الجوال ؟ إنّ فيه موتك .
فارتعش ألدار تماماً ، وأخفى رأسه بيديه ، وأسرع يختفي وراء خميلة ، وصاح :
- سامحني يا شيطان ، الرحمة يا شيطان .
فقال الشيطان :
- لا تستعطف فلن أرحمك .
وراح يلقي الباورساك قطعةً قطعة على ألدار صائحاً :
- خذ .. خذ .. خذ !
أمّا ألدار المختبئ خلف الخميلة فكان يتلقّف الباورساك ويلتهمها .. لقد كان شاطراً عموماً ، أمّا في الأكل فلم يكن من هو أشطر منه .
وفرغ الجوال ، فتنفّس الشيطان الصعداء ، وجرى إلى الخميلة ليعرف ماذا حدث لعدوّه . وذهل عندما أطلّ فرأى ألدار جالساً على العشب يلتهم آخر قطع الباورساك ، وكان يلمع كلّكة الذهب ربّما بسبب الدهن ، أو سبب المتعة .
ومسح ألدار يديه في ساق حذائه وقال :
- شكراً لك يا شيطان على هذه الأكلة الرائعة . منذ زمنٍ بعيد لم أفطر بهذه الصورة . صحيح المثل الذي يقول : (مع الصديق الطيب يقطر فمك دهناً ، ومع الصديق السيّء ينزف أنفك دماً) .
وراح يقهقه من صميم قلبه .
أمّا الشيطان فبكى من الغيظ والقهر ، وانطلق هارباً من ألدار كوسى . وكلّما ركض أسرع ، علت قهقهات ألدار . ومن كان بوسعه أن يكتم الضحك لو كان مكانه ؟
ومن يومها لم يعد في السهوب شياطين ، اختفت تماماً . فقد أدركت هذه المخلوقات الخبيثة أنّ الإنسان أكثر مكراً وشجاعة وذكاء .
ولم يعد أحدٌ يسمع بالشياطين إلا في الحكايات .

ـ انتهت ـ
avatar
Divine Devil
عضوية ماسـية
عضوية ماسـية

عدد الرسائل : 79
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 02/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلقة الثالثة من .. ألدار كوسى (كيف خدع ألدار كوسى الشيطان)

مُساهمة من طرف زائر في الثلاثاء أبريل 29, 2008 2:29 pm

ما قصر ألدار النمر Cool

بالفعل , الانسان أقوى من الشيطان

مشكورة على المجهود الرائع Wink

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى