الحلقة الثانية من .. ألدار كوسى : ((كيف طرد ألدار كوسى الجني))

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الحلقة الثانية من .. ألدار كوسى : ((كيف طرد ألدار كوسى الجني))

مُساهمة من طرف Divine Devil في الخميس أبريل 24, 2008 4:50 pm

كيف طرد ألدار كوسى الجني

دهن ألدار كوسى حذاءه ، وشدّ حزانه ، ورفع أطراف ردائه ، ومضى في سياحة طويلة .
سار نهاراً وليلة ، وشهراً وعاماً .
وفجأة سد طريقه جبل عالٍ تبلغ قمته السحاب ، وكأنه جمل عملاق تمدد في السهوب المقفرة .
توقّف ألدار كوسى وفكّر ، ثم قال على الفور لنفسه :
- ليس هناك مستحيل أمام الإنسان ، أقسى أنواع الحديد يلين تحت مطرقة الحداد ، والعنيد يستطيع أن يحفر البئر ولو بأبرة . كلا ، لن أحيد عن الطريق ، ولن أتراجع أمام المنحدر الوعر .
وقضى ليلته ، وقضى شتاءه ، وفي الربيع بدأ العمل ، فأخذ يحفر الصخور ، ويصنع الدرجات ، ويصعد خطوة فخطوة إلى الأعلى .
وجاءت اللحظة التي بلغ فيها ألدار كوسى القمة ، وعندما رأى أمامه الشمس الساطعة هتف من الفرحة ، وارتمى على الصخر وغاب في نوم عميق .
وعندما استيقظ وجد طائر صقر الليل جاثماً على صدره ، يدير رأسه وينظف ريشه ، فأمسك ألدار كوسى بالطائر من جناحيه ، وقال وهو يضحك :
- هاهو صيدي الأول ! لا تخشَ شيئاً يا صقر الليل ، لن أمسّك بمكروه ، ولكن سيكون عليك أن تتجوّل معي .
وكانت مئات الأفكار تراود عقله ..
وهبط ألدار كوسى إلى الوادي وأخذ يتملّى من جمال السفوح الخضراء والمراعي المزهرة ، وفي الأسفل يلوح جدول رقراق . وبجوار الجدول انتصبت خيمة جديدة ، بيضاء ، أبيض من البيضة ، وفوقها تصاعد الدخان .
وفكّر ألدار : أهي خيمة صديقٍ او عدو ؟ وهل يقطنها بشرٌ أم غيلان رهيبة ؟
اقترب من الباب في حذر ، وتطلع من الشق ، فرأى اثنين : رجلاً وامرأة ، جالسين على كليمٍ مطرّز ، يشربان الكوميس ، ويأكلان لحم ضأن دسم ، ويتبادلان الهمسات والغمزات .
فقال ألدار لنفسه : أوه ، إنني أرى وليمة ، وحيث تقام الولائم يتواجد الضيوف . فلأدخل .
وعطس ألدار : أتش !
ففزعت المرأة :
- آه ، هذا زوجي اللعين قد عاد ، اخبتئ بسرعة .
وجرى الفارس الذي كان يغازلها في الخيمة مضطرباً ، ثم رأى صندوقاً ، فاندفع إليه في الحال وأغلق غطاءه عليه .
فهزّ ألدار رأسه (كلّ شيءٍ مفهوم) وعبر العتبة :
- مرحباً يا سيدتي ! اصنعي معروفاً واسمحي لرحالة متعب بالاستراحة قرب موقدك .
فنظرت إليه المرأة بحدق وصاحت :
- الشيطان قذف بك أيها الضيف الثقيل ! كم أفزعتني .
أما ألدار كوسى فقد تربع في صدر المكان ، ووضع ساقاً على ساق وابتسم بملء فمه .
فسألته ربة البيت بغلّ :
- لِمَ تبتسم ؟ وقالت في نفسها : (هذا اللئيم يفكر في شيءٍ ما)
فقال ألدار برقة :
- أبتسم لهذا الإبريق ذي الكوميس ، ولذلك الطبق ذي اللحم .
- كُلْ إذن واشرب ، واغرب من هنا بسرعة .
لكنّ ألدار سمع (كُلْ واشرب) أما (اغرب من هنا) فلم يسمعها كأنما أصابه الصمم .وجلس ألدار قريباً من المفرش وراح يلتهم كلّ ما كان موضوعاً عليه .
أكل وشرب حتى التخمة ، ثم تربّع على الكليم المزخرف .
وعندما رأت المرأة أنّ الزائر لا ينوي الرحيل ، أخرجت درهماً وقالت :
- خذ هذا الدرهم أيها المتشرّد ، واغرب من هنا .
فشكرها ألدار على هبتها ، وظلّ يشكرها ساعة أو ربما أكثر ، ثم قال :
- إنني ذاهبٌ يا سيدتي .. فقط سأطعم طيري ثم أرحل .
وخلى سبيل صقر الليل ليلتقط الفتات من على المفرش . وأخذ صقر الليل يلتقط ، والوقت يمرّ ، وربة البيت تتميّز غضباً ، وألدار يبتسم في سخرية .
وفجأةً صهل حصانٌ بجوار الخيمة ، وفُتِح الباب ، ودخل البيك صاحب الخيمة ، وتوقّف مندهشاً :
- من هذا الغريب يا زوجتي ؟ وما هذا الطائر ؟
وقبل أن تنطق الزوجة حرفاً قال ألدار :
- ايها البيك المحترم ، أنا ساحر جوّال وعرّاف . أما طائري فهو طائر متنبئ . إنه يعرف جميع الأسرار ، وهو يعلم الماضي ويتنبّأ بالمستقبل . هل تريد أن أكشف لك الغيب وأنبئك بأي مكروهٍ يتهدّدك ؟
فنظر البيك باستعلاء إلى هذا الغريب ، وتربّع بجوار الموقد ، حيث كان ألدار يتربّع منذ قليل ، وقال :
- لو كنت حقّاً عرّافاً لعرفت أنه ليس هناك في هذه الناحية شخصٌ أغنى مني . عندي من الماشية كلّ نوع : الخيول والأبقار والجمال والغنم ، بأعدادٍ لا تحصى . ومن كان غنياً فهو قوي . فأي مكروهٍ يتهدّدني ؟
فقلا ألدار بلهجة المعلمين :
- أوه يا سيدي البيك . لا تَقُل أنّ الذئاب بعيدة ، فهي تختبئ في الوادي .
فاعتدل البيك في جلسته :
- إلامَ تلمّح ؟ هل تعرف شيئاً ما ؟
- أعرف .. ولكني لا أعرف كلّ شيء . الطائر المتنبّئ يعرف كلّ شيء .
- إذا كان الطائر يعرف فليَقُل .
وبدأت طقوس السحر . أخذ ألدار يدور في الخيمة كالزوبعة ، ممسكاً بالطائر فوق رأسه ، ويصيح بكلمات غير مفهومة ، وينثر الأشياء .. وكان الطائر يصرخ وألدار يصيح :
- تنبّأ أيها الطائر السحري ، تنبّأ !
وحدّق البيك بعينين جاحظتين مندهشاً : (لم أرَ أبداً مثل هؤلاء العرّافين ، ربما عاد هذا التنبّؤ بفائدة) .
أما ألدار كوسى فمضى يدور أسرع فأسرع ، ثم تسمّر متصلّباً ، وهمس بصوت رهيب :
- أوه يا بيك ، الأمر سيّء !
فامتقع البيك :
- ماذا هناك ؟
- الطائر يقول : في الصندوق الأصغر ترقد مصيبةٌ سوداء على ملاءةٍ حريرية . وهذا يعني أنّ جنياً شريراً تسلل إلى دارك يا بيك . لابدّ من طرده .
كان البيك يرتعش رعباً ، ومع ذلك أخذ يتطلّع بشكٍّ إلى ألدار : (أليس محتالاً هذا العرّاف ؟ ربما يغرر بي مدّعياً وجود الجن ؟ ولكن فلننظر ماذا سيحدث) .
أما جهراً فقال :
- اطرده يا عزيزي ، اطرده بسرعة !
وكان ألدار كوسى يعرف ما ينبغي أن يفعله ، فتناول مغرفةً وملأها بماء ساخن من القدر الموضوع على النار ، واقترب على أطراف أصابعه من الصندوق ، ورفع غطاءه ، ورشّ الماء الساخن داخله . وفي نفس اللحظة طار غطاء الصندوق فانخلع عن مفصلاته ، وقفز الفارس الملسوع بالماء الساخن قفزةً واحدة فأصبح خارج الخيمة .
ارتمى البيك مغشياً عليه ، واختبأت زوجته تحت البساط ، أما ألدار فأمسك بخصره وهو يهتزّ من الضحك .
ثم أفاق البيك فارتمى على ألدار يعانقه :
- ألف شكرٍ لك يا عزيزي ! طردت البلوى من بيتي ، لولاك لأهلكني الجني الشرير . سآكافئك على خدمتك ، عندي في القطيع حصان ، ليس حصاناً بل دبّاً . خذه لك !
وقفز ألدار من الفرحة ، أما البيك فصمت قليلاً ثم أضاف :
- حتى لا يعود الجني ثانية ـ فكلّ شيء جائز يا أخي ـ بعْ لي طيرك المتنبّئ . سأدفع لك ثمناً مجزياً .
فأشاح ألدار بيديه :
- ماذا تقول ، ماذا توقل يا بيك ؟ لا تفكّر حتى في هذا ! بدون الطائر المتنبّئ تصبح حياتي أشدّ سواداً من الليل .
ولم يتراجع البيك ، ولم يستسلم ألدار . وظلا يتجادلان حتى الليل ، وأخيراً وافق ألدار :
- فليكن كما تشاء ، سأترك لك الطائر ! ولن أخدعك إذا قلت لك أنني اشتريته بأربعين حصاناً . ومازال صاحبه يبكي حتى الآن لأنه باعه بثمنٍ بخس . ولكني لا أسعى وراء ربح ، فكما اشتريته سأبيعك إياه . أربعون حصاناً مقابل الطائر المتنبّئ .
وأخذت عينا البيك تطرفان وكأنما اندسّ فيهما إصبع :
- أوه ! هذا كثير . فالحصان ليس جرادة !
- كما تشاء ، فأنا لا أكرهك على الشراء . والطائر المتنبّئ أيضاً ليس عصفوراً !
ووجد البيك أن لا فائدة ، فقال :
- أعطيك ثلاثين حصاناً .
- هذا قليل ، أربعين !
- ثلاثين !
- أربعين !
وإذا تجادل ماكران فهل يتّفقان بسرعة ؟
ظلّت الضجة مستمرةً شهراً ، وربما سنة في خيمة البيك . كانا يتّفقان ثم يختلفان ، ويفاصلان ويتساومان ويشدّان على الأيدي متعاهدَين . وأخيراً استسلم البيك ، فقال وهو يمسح العرق من جبينه :
- خذ أربعين جواداً والطائر لي .
وربما بسبب الفرحة ، أو الحزن ، وربما عن حقٍّ أو تظاهر ، أعول ألدار بصوتٍ عالٍ ، وضمّ الطائر إليه ، وراح يودّعه :
- وداعاً يا صديقي ، وداعاً أيها الطائر المتنبّئ ! كيف سأعيش الآن بدون ؟ أين سأجد السلوى وحدي ؟
وظلّ ألدار يودّع الطائر أسبوعاً ، آكلاً شارباً نائماً في خيمة البيك ، إلى أن أخبره قلبه : (البحيرة الراكدة يملؤها الطين ، والحصان الذي لا يُركَب يسبقه المهر . ما أطول دروب الحياة ولكنّ العمر قصير) .
عندئذٍ امتطى الحصان ـ الدب ، ورفع عقيرته بالغناء ، وساق أمامه قطيع الخيول الأربعين التي أخذها من البيك .
وقبيل المساء لحق بشابٍّ مترجّل فصاح يناديه :
- اسمع يا فتي ، لماذا تسير مترجّلاً ؟ أين حصانك ؟
فأجاب الشاب بحزن :
- لم يعد لديّ حصان .. لدغه عنكبوت سام .. هلك الحصان .
- هكذا !! حسناً ، اختر لنفسك حصاناً من قطيعي ، أي حصان . أهديه لك .
وفي اليوم التالي لحق ألدار كوسى براجل آخر ، وكان رجلاً متوسط العمر .
- ماذا يا عماه ! أليس لديك حصان ؟
- حتى الأمس كان لدي حصان طيب ، أما اليوم .. استولى عليه أبناء البيك في الطريق ، ونجوت بجلدي ..
فقال له ألدار كوسى :
- ألا فلتحلّ بهم اللعنة ، هؤلاء اللصوص الذين ينهبون الفقراء . لا تحزن . خذ حصاناً من قطيعي وارحل حيث تشاء .
وفي اليوم الثالث لحق ألدار كوسى بعجوز متهالك . كان العجوز يجرّ ساقيه متوكّئاً على عصى .
فقال له ألدار كوسى :
- من الصعب يا جدي أن تذرع السهوب على قدميك في آخر العمر . أليس لديك حصان ؟
فأجاب العجوز :
- كنت طوال عمري أرعة خيول البيك ، ولكني لم أحصل لنفسي على حصان . هكذا يا بني ..
فاستوقفه ألدار كوسى :
- مهلاً يا جدي ، لا تتعجّل . خذ حصاناً من قطيعي . اختر منه ما يعجبك وخذه لك . لا ترفض ، واسمح لي أن أساعدك على الركوب .
وكلّما سار ألدار كوسى تناقص عدد الخيول في قطيعه وفي اليوم الواحد والأربعين لم يبقَ لديه سوى الحصان الذي يمتطيه .
وهنا رأى ألدار فتاة تجري في السهوب فتفزع الطيور .
- ماذا حدث ؟ ممن تهربين يا حسناء ؟
فأجابت الفتاة وهي تذرف الدموع :
- أهرب من الموت ، أبي باعني لعجوز غني ... ولكني أحب راعياً شاباً شجاعاً . وهو أيضاً يحبني .. أنا أهرب إليه . فلو نجوت من المطاردة سنعيش سعداء حتى إذا كنا فقراء ، ولو أمسكوا بي فستكون نهايتي ونهايته معاً .
فقفز ألدار مترجّلاً عن الحصان ، وابتسم برقة وقال :
- يا أختي العزيزة ، من العيب أن يفكر المرء في نهاية حياته وهو لا يزال في مقتبل العمر ، اركبي واركضي إلى حبيبك ، بهذا الحصان لن يدركك المكروه أو الموت . فعيشا في سعادةٍ مائة عام .
واستانف ألدار كوسى سيره على قدميه . سار خفيف الخطوات ، يتأمّل السهوب وبيتسم للسماء والشمس ، ويغني لنفسه الأغاني كالقبرة ، ولا يفكّر فيما يتنظره في المستقبل ، ولا يأسف على ما مضى من أيام ..
avatar
Divine Devil
عضوية ماسـية
عضوية ماسـية

عدد الرسائل : 79
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 02/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلقة الثانية من .. ألدار كوسى : ((كيف طرد ألدار كوسى الجني))

مُساهمة من طرف زائر في السبت أبريل 26, 2008 4:08 pm

شكرا لك يا أمورة على النقل Smile

زائر
زائر


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: الحلقة الثانية من .. ألدار كوسى : ((كيف طرد ألدار كوسى الجني))

مُساهمة من طرف Divine Devil في الأحد أبريل 27, 2008 1:38 pm

لا شكر على واجب ..

وأرجو أن تتابعوا باقي الحلقات
ففيها من المتعة والفائدة الكثير الكثير
Wink
avatar
Divine Devil
عضوية ماسـية
عضوية ماسـية

عدد الرسائل : 79
العمر : 38
تاريخ التسجيل : 02/04/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى